المقريزي
مقدمة 53
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
الحافظ إلى أخيه الباساك والي قوص - ليحتمي به ، ونهب العامّة سائر ديار الأرمن بالحسينية ونهبوا كذلك كنيسة الزّهري « 1 » . هكذا كان الوضع في مصر في العقد الرابع من القرن السّادس الهجري : مواجهة بين المسلمين والنّصارى الأرمن ، ومواجهة بين أهل السّنّة والسّلطة الفاطمية الحاكمة . وكان وصول رضوان إلى منصب الوزارة كأوّل وزير سنّي للفاطميين ، بداية تحوّل سنّي بطيء ، فتح الطّريق إلى انتصار السّنّة النّهائي في مصر بعد ذلك بنحو ثلاثين عاما مع انقلاب صلاح الدّين . كان من أهمّ ما ميّز هذا التّحوّل السّنّي إنشاء مدرستين لتدريس الفقه السّنّي في الإسكندرية : الأولى أنشأها الوزير رضوان بن ولخشي لتدريس المذهب المالكي ، سنة 532 ه / 1138 م ، وقرّر في تدريسها الفقيه المالكي المعروف أبا الطّاهر بن عوف ، إسماعيل بن مكي بن إسماعيل ابن عيسى « 2 » ؛ والثّانية أنشأها ، في سنة 546 ه / 1150 م ، وزير سنّيّ آخر هو العادل بن السّلار ، ولكن في هذه المرّة كانت لتدريس المذهب الشّافعي ، وقرّر في تدريسها الحافظ الشّهير أبا الطّاهر أحمد بن محمد السّلفي « 3 » . ولكن لماذا أنشأ رضوان مدرسته في الإسكندرية وتبعه في ذلك العادل بن السّلار ؟ الإجابة على ذلك أنّ القاهرة كانت في ذلك الوقت مركز النّشاط الشّيعي في العالم الإسلامي ، والمدرسة ظاهرة جديدة في مصر ، فكان من شأن إقامة مؤسّسة سنّيّة مهمّة كالمدرسة في العاصمة الشّيعية قلب ميزان القوّة بين الخليفة ووزيره . وبما أنّ الإسكندرية كان كلّ سكّانها من أهل السّنّة ، فقد كان طبيعيّا أن يبني رضوان مدرسته بها ليقاوم بها مذهب الدّولة وليعلي كلمة الإسلام في مواجهة اتّساع نفوذ أهل الذّمّة من النّصارى الأرمن الوافدين . ومع ذلك فقد استصدر رضوان سجلّا من الخليفة ببناء المدرسة في الإسكندرية نسبت فيه المدرسة إلى الخليفة ، حيث أطلق عليها « المدرسة الحافظيّة » ولم تنسب إلى الوزير الذي بناها ، وذلك لأنّ الخليفة لا الوزير هو الذي كان
--> ( 1 ) أيمن فؤاد : الدولة الفاطمية في مصر 258 - 266 . ( 2 ) ابن ميسر : أخبار مصر 120 ؛ القلقشندي : صبح الأعشى 10 : 458 - 459 ، المقريزي : اتعاظ الحنفا 3 : 167 ؛ أيمن فؤاد : الدولة الفاطمية 591 - 592 ؛ وانظر ترجمة أبي الطاهر بن عوف عند ابن فرحون : الديباج المذهب 1 : 292 - 295 ؛ الصفدي : الوافي بالوفيات 9 : 228 ؛ المقريزي : المقفى الكبير 2 : 183 - 184 ؛ أبي المحاسن : النجوم الزاهرة 6 : 100 . ( 3 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 1 : 105 ، 3 : 417 ؛ السبكي : طبقات الشافعية الكبرى 6 : 37 .